هذه قصة تبديد 115 مليار درهم من “صندوق الضمان الاجتماعي”

أصدرت محكمة الاستئناف بمدينة الدار البيضاء، الأسبوع الماضي، حكمها في قضية تبديد 115 مليار درهم من أموال الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي من طرف 11 مسؤولاً داخل هذه المؤسسة العمومية ما بين 1972 و1992؛ وهو الملف الذي يرجح أن يكون أكبر عملية تبديد مال عمومي بالمغرب.

والمتهم الرئيسي في هذه القضية هو رفيق الحداوي، المدير العام السابق للصندوق، الذي أُدين ابتدائياً بالسجن أربع سنوات مع وقف التنفيذ سنة 2016، وجرى تأكيد هذا الحكم استئنافياً وأضيفت إليه مصادرة ممتلكاته وأدائه غرامة على وجه التضامن مع محكومين آخرين لفائدة الدولة المغربية.

وحسب تفاصيل الحكم الذي اطلعت عليه هسبريس، فقد جرى تأكيد تبرئة عبد المغيث سليماني، الكاتب العام السابق للصندوق، إلى جانب متهميْن آخرين في هذا الملف الذي كُشف عنه رسمياً سنة 2002.

وسيتوجب على المدانين العشرة الذين كانوا يتحملون المسؤولية داخل الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي، حسب نص الحكم الصادر عن قسم الجرائم المالية بمحكمة استئناف الدار البيضاء، إرجاع مبالغ لفائدة الدولة تقدر بحوالي 31 مليار درهم في المجموع.

يتعلق الأمر بمصطفى جبوري الذي حُكم عليه بإرجاع مبلغ 294 مليون درهم، وسعيد برويلة بـ82 مليون درهم، ومحمد بن المودن بإرجاع مبلغ يناهز 10 مليارات درهم، ومحمد الودغيري بمبلغ 32 مليون درهم، وعلي باعدي بـ13,9 مليارات درهم.

كما حُكم على بنعيسى الأبيض بإرجاع مبلغ يُقدر بـ200 مليون درهم، ومصطفى أبوزيد ومحمد عدلاني والعربي الزياني وأحمد الخياطي بإرجاع مبلغ يناهز 7,44 مليار درهم تضامناً فيما بينهم.

أما المتهم الرئيسي وهو رفيق الحداوي فقد جاء في نص الحكم أنه مطالب بإرجاع المبالغ المحكوم بإرجاعها على المتهمين الآخرين، أي 31 مليار درهم لفائدة الدولة المغربية. كما ستتم مصادرة ممتلكات المتهمين المدانين في حدود المبالغ المحكوم بإرجاعها.

واستمرت المحاكمة في هذا الملف لسنوات بعدما افتتح سنة 2011، وانتهى اليوم بإدانة المتابعين فيه بتبديد أموال عمومية؛ وهي الجناية التي تُعرض، نظرياً، مُرتكبيها طبقاً للفصل 241 من القانون الجنائي للسجن من خمس سنوات إلى 20 سنة، وليس أمامها إلا مرحلة النقض في حالة تقديم الطعن.

115 مليار درهم

على الرغم من أن التحقيق القضائي في هذا الملف بدأ سنة 2011 فإن ظهوره إلى العلن كان في شتنبر من سنة 2002 حين نشرت اللجنة النيابية لتقصي الحقائق حول الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي التي شكلها مجلس المستشارين تقريرها بعد عمل استمر من نونبر سنة 2001 إلى غاية ماي سنة 2002.

وجاء ضمن خلاصات التقرير أن مالية الصندوق وممتلكاته تعرضت لأضرار عديدة تسبب فيها سوء التسيير والتبذير والاختلالات والاختلاسات المباشرة وغير المباشرة المتعددة والمتكررة عبر السنوات؛ ما جعل الأموال الضائعة تُقدر بحوالي 47,7 مليارات درهم صُرفت أو ضاعت كلها بدون حق أو بدون سند قانوني.

ويضم هذا المبلغ صنفين مما صُرف من خزينة الصندوق؛ الأول يهم تعويضات بدون حق وزيادة في مبالغ الصفقات وزيادة في تكلفة التسيير واختلاسات، أما الصنف الثاني فيهم ما لم يقم الصندوق بتحصيله من واجبات الانخراطات وهزالة فوائد الودائع.

وجاء في التقرير أنه لو قام الصندوق بواجبه وحافظ على هذه الأموال التي حصل عليها والتي كان عليه تحصيلها، والتي بلغت 47,7 مليارات درهم، ووضعها كودائع لدى صندوق الإيداع والتدبير، بسعر فائدة طبيعي أو بسعر سندات الخزينة المتداول في السوق، لوفر كفوائد ما يناهز 67,7 مليارات درهم، وإذا ما احتسب ذلك فمجموع الضرر المالي سيصبح 115 مليار درهم منذ 1972.

وحسب التقرير، وحتى لو طُبق السعر المفروض آنذاك على ودائع الـCNSS لدى صندوق الإيداع والتدبير، لكان الضياع الناتج عن الفوائد يقدر بـ41,4 مليارات درهم وبذلك يكون الضياع العام مُقدر بـ89 مليار درهم.

وقالت اللجنة البرلمانية في تقريرها إن هذا الضرر يبقى جد مُهول وجد مُعبر عن سوء التدبير المالي للصندوق، بحيث كان بالإمكان أن تصل ودائع الصندوق سنة 2002 إلى 67,7 مليارات درهم عوض 15,1 مليار درهم في تلك الفترة، ولكانت هذه الودائع تدر سنوياً فوائد بـ5 مليارات درهم تكفي لسد حاجيات الصندوق في مجال التعويضات، ومن شأنها أن تمكنه من مضاعفة بأزيد من مرتين مبلغ المعاشات الهزيلة التي كان يقدمها.

هول الضياع المالي

ولإعطاء صورة عن هول وجسامة الضياع المالي الذي تكبده الصندوق منذ السبعينيات وطيلة ثلاثة عقود، قدر التقرير البرلماني هذا الضياع بكونه يُقارب موارد الدولة سنة 2001 بما فيها عائدات الخوصصة (136 مليار درهم)، كما يفوق مرة ونصف النفقات العمومية للتسيير لنفس السنة (75,5 مليارات درهم).

كما كان يمثل هذا الضياع المالي حوالي 80 في المائة من المديونية الخارجية للمغرب إلى غاية آخر سنة 2001، ويقارب ثلث الناتج الداخلي الخام لسنة 2000 والذي ناهز 354 مليار درهم، ويمثل أيضاً على وجه التقريب مرتين القيمة الإجمالية لشركة اتصالات المغرب سنة 2002.

خلاصة القول إن المغرب لم يسبق له أن عرف مثل الملف المتعلق بتبديد أموال عمومية بحجم 115 مليار درهم، ويبقى من الصعوبة بمكان القول إن الدولة ستنجح في تحصيل 31 مليار درهم.

كما أن هذا الضياع الهائل ضيّع على الصندوق، الذي يدبر نظام الحماية الاجتماعية لأجراء القطاع الخاص، فرصة تكوين احتياطات وتقوية وضعيته المالية اليوم لتجنب العجز المرتقب سنة 2023 على مستوى المعاشات.

قم بكتابة اول تعليق

أترك لنا تعليق

لن يتم نشر بريدك الالكتروني في اللعن


*


28 − = 22